العملية العسكرية الروسية َضد أوكرانيا
إن العملية العسكرية الروسية على أوكرانيا وضعت الغرب بقيادة أمريكا في امتحان صعب أمام الدول الحليفة و التي استطاعت أخيرا رفض بعض الأوامر من أمريكا و هذا ما كان مستحيل قبل العملية. لقد اهتزت صورة العالم الأحادي القطب و ظهرت عيوبه و ظهر معها رغبة دولا كثيرة في التخلص منه و اتباع الوجهة الجديدة التي تقترحها روسيا و الصين.
روسيا صاحبة الترسانة النووية الأقوى في العالم والتي تملك اقتصادا متكاملا و قويا لم ترضى بأن العالم تقوده قوة تراها أضعف منها. فخططت روسيا لميلاد قطب جديد يكون أكثر حرية و عدالة و خال من الغطرسة و الاستغلال و التحكم و الضغط على الدول الضعيفة لتحقق الدول القوية أهدافها الخاصة و هذا الذي تمارسه أمريكا مع حلفائها و غيرهم و خير دليل على ذلك معاناة أوروبا اليوم بعد العملية, و كيف تطيل أمريكا أمد النزاع في أوكرانيا بضخ المزيد من الأسلحة و كيف تد عم الصهاينة في مجازرهم ضد الفلسطينيين العزل و ترغم دولا عربية ك مصر و قطر و الأردن و المغرب لدعم إسرائيل و المتاجرة بحقوق الفلسطينيين و التصدي لأي مبادرة لجمع الفلسطينيين مقابل إرضاء أمريكا و كل هذا بمنطق الغابة فقط.
أسباب العملية الروسية ضد أوكرانيا
أما أوكرانيا فكانت الطعم الذي استفز روسيا. واضح جدا أن أمريكا استغلت أوكرانيا و هي جزء من الاتحاد السوفياتي سابقا و تمتلك كل تقنياته و خبراته في الصناعة النووية و الكيميائية و هذا ما عملت عليه الألة الأمريكية و التي نجحت في ضم القيادة الأوكرانية في مشارع نووية و جرثومية داخل المخابر الأوكرانية كما قالت روسيا و أكدته الصين في مجلس الأمن. و نظرا لعدم الاستجابة للتحذيرات الروسية لهذا الأمر الخطير و أيضا لمعاناة و القتل الوحشي و المتعمد لسكان الدو نباس ذوي الأصل الروسي, قررت روسيا غزو أوكرانيا و تحرير أراضي الدو نباس و فصلها عن أوكرانيا.
نتائج العملية الروسية ضد أوكرانيا
لقد أظهرت روسيا مقاومة كبيرة لكل العقوبات الأمريكية و الأوروبية بعد غزوها لأوكرانيا و بسياسة محكمة قلبت الموازين عليهم و جعلتهم الأكثر تضررا, و لم تستطيع الاقتصادات الأوروبية الهشة الصمود أمام النتائج العكسية للعقوبات التي سلطت على روسيا خاصة بعد الارتفاع الكبير في أسعار البترول و الغاز في العالم و سرعان ما بدأت بوادر الانهيار تظهر عليهم بينما خرجت الولايات المتحدة المستفيد الأكبر.
أرباح أمريكا من العملية
لقد دفعت الولايات المتحدة أوكرانيا إلى الانتحار في هذه العملية خاصة و هي تواجه دولة من أقوى الدول عسكريا في العالم. و أرغمت الدول أوروبية إلى اتخاذ عقوبات على كل شيء روسي حتى قالت الصين حينها " لقد سمعنا بأنكم وضعتم عقوبات على القطط و الكلاب الروسية" و هي تسخر طبعا. و نتج عن تلك العقوبات ردود فعل عنيفة من روسيا دمرت بها اقتصادات هذه الدول. و كانت أبرزها
- قرار الدفع بالروبل بدل الدولار و اليورو في التعاملات الاقتصادية مع روسيا للدول الغير صديقة كما سماها بوتن.
- تقليص صادرات الغاز الروسي نحو أوروبا إلى %30 و قطعه نهائيا على بعض الدول .
كما دفعت أمريكا دول الناتو الى ضخ المزيد و المزيد من الأسلحة لأوكرانيا لإطالة أمد الحرب و استنزاف القوة الروسية و تحقيق مكاسب أكبر من هذه العملية, حيث ازدادت نسبة الصادرات الأمريكية من البترول و الغاز و السلاح نحو أوروبا بشكل كبير جدا و هذا ما يعود بمليارات الدولارات على الخزينة الأمريكية.
معاناة أوروبا
دون شك بأن أوروبا هي الخاسر الأكبر بعد أوكرانيا طبعا من العملية العسكرية التي قام بها الروس ضد أوكرانيا. فإن انخفاض واردات عدة مواد أساسية من روسيا و غلاء أسعارها عالميا يجعلها تدخل منعطفا صناعيا و اجتماعيا خطيرا لن يستطيع شعبها تحمله و من أهم هذه المواد الفحم والقمح و الأسمدة و البترول و الغار مما سيخلق أزمات في الصناعة و الزراعة لهذه الدول و خاصة أن روسيا هي أكبر مورد لأوروبا بهذه المواد.
أزمة الغاز
بعد خفض روسيا نسبة الغاز الموجهة نحو الدول الأوروبية أجبرت هذه الأخيرة على البحث السريع لبدائل. كانت أمريكا تنتظر هذا من روسيا فسارعت بعرض غازها كبديل , و لكن نظرا لكونه غازا سائلا و تكلفته ستكون أضعافا لما كان يدفعه الأوروبيون مقابل الغاز الروسي الجاهز عبر الأنابيب. و نفس مشكل وجده الأوروبيون مع غاز دول الخليج بالإضافة إلى تكاليف النقل و بعد المسافة. أما إيطاليا فكان البلد المحظوظ, حيث وقع اتفاقية مع الجزائر وصفت بالفرصة الذهبية التي أنقذت إيطاليا من أزمة الغاز الأوروبية, ثم تبعتها كل من فرنسا و ألمانيا. لكن ما ستورده الجزائر قليل على أوروبا و لا يغطي ما كانت روسيا تزودها به و هذا ما يبقي على الأزمة لسنوات عديدة.
إن القطب الجديد الذي تسعى إليه روسيا و الصين و بعض البلدان الأخرى يلقى استجابة كبيرة خاصة من الدول الوسطى و الضعيفة التي حرمت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية من حقوق شعوبها في الحيات الكريمة و بناء اقتصاداتها نظرا لسلب بعض الدول الاستعمارية لثرواتها الطبيعية و زعزعت أمنها الداخلي و إدخالها في حروب أهلية مدمرة. و هذه كانت سياسات القطب الواحد الذي تمثله أمريكا و الدول الغربية التي أحكمت سيطرتها لعقود على الدول الضعيفة و منها الدول العربية و الدول الإفريقية. لذا حان الوقت لتغيير كل هذا و التوجه نحو نظام عادل يحترم القوي و الضعيف على حد سواء و يحمي حقوق الشعوب و ثرواتها و يضمن أكثر حريتها .
